الرد الأشعري النفيس على من استدلّ بحديث الجارية لإثبات المكان لله والعياذ بالله تعالى

Arabic Text By Jan 29, 2017


الرد الأشعري النفيس على من استدلّ بحديث الجارية لإثبات المكان لله والعياذ بالله تعالى (الرد رقم 37).‏

الحمد لله وبعد، فأما رواية مسلم المطبوعة وفيها لفظ منسوب إلى النبيّ يسأل جارية ‏‏”أين الله؟” قالت “في السماء”، فهو عند من أثبت ‏هذه الرواية على اضطرابها، على ‏معنى السؤال عن المكانة وعلوّ الشرف لا عن المكان والحيز والجهة، لأن علوّ ‏المكان لا يلزم منه ‏علوّ الرتبة، والعرب تعرف العلوّ بمعنى الاستعلاء والقهر كما في ‏سورة القصص: “إِنَّ فِرعَونَ عَلا فِي الأَرضِ” ، فعند من رووه هو ‏على معنى علوّ ‏الرتبة والشرف كما قال القرطبي والمازري وأبو حيان ‏الأندلسي والنووي والقاضي عياض وقالا إن الاجماع منعقد ‏على منع حمله على ظاهره.‏ قال ابن العربي المعافري المالكي: “أما المكان فلا نقول به لأنه محال على الله”.‏

على أننا نقول إن الرواية الصحيحة ما رواه الحافظ عبد الرزاق الصنعاني وأحمد ‏ومالك وغيرهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال أتشهدين أن لا إله إلا ‏الله؟، قالت نعم، قال أتشهدين أن ‏محمداً رسول الله؟، قالت نعم.. إلى آخر الرواية.‏

ثم لو أراد مسلم الاحتجاج بلفظ “أين الله” في العقائد لذكر تلك الرواية في أول كتابه ‏حين ذكر أحاديث العقائد في كتاب الإيمان، ولم يكن ‏ليؤخرها إلى كتاب المساجد، دلّ ‏ذلك على أن حديث الجارية لا يرقى إلى ما يُحتج به في العقيدة فلا هو متواتر ولا هو ‏مشهور ولا هو ‏متفق على رواته، فعند مالك في بعض روايات الموطأ هو عن عمر ‏بن الحكم، وعند غيره هو عن معاوية بن الحكم. قال عدد من ‏العلماء لا يوجد في الصحابة من اسمه عمر بن الحكم.‏

ثم ما هو موجود في إحدى نسخ مسلم المتداولة من لفظ منسوب إلى النبيّ ‏وفيه أنه سأل جارية “أين الله” فأجابت “في السماء”، وفي ‏رواية للبيهقي “فأشارت ‏إلى السماء”، وفي رواية له أنها كانت “أعجمية” خرساء، وفي رواية قال صلى الله ‏عليه وسلم لها: من ربك، ‏قالت: الله؛ قال فيه الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي في ‏سننه: “أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الأوزاعي من دون حديث ‏الجارية”،‎ ‎‎ومعلوم أن الإمام الأوزاعي أعلى قدراً وأوثق حفظاً وفقهاً من مسلم وكلّ ‏أقرانه، فما كان الأوزاعي ليترك تلك الرواية لولا أنه رأى ‏فيها علة توجب ‏الإعراض عنها. ‏

ومثل الأوزاعي ترك البخاري تلك الرواية فلم يتعرض لها ولا لمعاوية بن الحكم في ‏صحيحه ألبتة، وإن ذكر من حديثه الذي رواه مسلم ‏في كتاب المساجد طرفاً في كتاب ‏خلق أفعال العباد وكرّر ذكره ثلاثاً في كتاب القراءة خلف الإمام، ولكن موافقاً رواية ‏الإمام الأوزاعي ‏في مسلم التي اطلع عليها البيهقي، أي خالية رواياته من أي ذكر ‏لحديث الجارية.‏

وقال البيهقي في الأسماء والصفات: “قد أخرجه مسلم مقطعاً من حديث الأوزاعي ‏وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة ‏الجارية، وأظنه إنما تركها من ‏الحديث لاختلاف الرواة في لفظه”، ا.ه فانظر إلى نص البيهقي وهو من كبار الحفاظ ‏على أن نسخة مسلم ‏التي كانت متداولة في وقته بين أهل الحديث كانت خالية من ‏قصة الجارية، ونصّه على الاضطراب في لفظها وأن ذلك سبب ترك مسلم ‏لها ‏في النسخة التي كانت لديه برواية عالية الإسناد حافظاً عن حافظ.‏

وقد شهد بذلك الاضطراب كبار الحفاظ الذين أحصوا طرقه وعرفوا مخارجه أمثال ‏الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي ذكره في تلخيص ‏الحبير برواياته ومنها لفظ “أين ‏الله” (ج3 ص 223) ونص على أن “طرقه مختلفة”، وهو ما أشار إليه البيهقي في ‏سننه وفي كتاب ‏الأسماء والصفات.‏

فلو وجد ابن حجر أن رواية مسلم تعطي جواز نسبة الأين إلى الله تعالى لم ينقل في ‏شرحه على البخاري عن القرطبي قوله “فلا يتوجه ‏على حكمه تعالى لم ولا وكيف، كما ‏لا يتوجه عليه فى وجوده أين”، فانظر كيف ينفي علماء الحديث والأثر “الأين” عن ‏الله تعالى، ولو ‏ثبتت تلك اللفظة في الحديث لقالوا بها ولم ينفوها، إذ الراد للحديث ‏الثابت برأيه وهواه من غير برهان ولا حجة على خطر في دينه، ‏وكذا من أثبت لله ‏ما لا يجوز عليه تعالى مما هو من صفات المخلوقين على خطر في دينه لأنه عابد ‏لغير الله تعالى، نعوذ بالله من كلتا ‏الحالتين.‏

ومن ذلك الفساد أخذ بعض أولئك المجسمة بظاهر الحديث المعروف بحديث الجارية في أن ‏الله تعالى عما يقولون في السماء بذاته، ‏ويكفي لردّ كلامهم حديث “أقربُ ما يكون ‏العبدُ من ربّه وهو ساجدٌ فأكثروا الدعاء” رواه مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد ‏والبيهقي وهو ‏أجود إسناداً من تلك الرواية عند مسلم لحديث الجارية، وهذا من نفائس ‏الاسلام إذ كيف يمكن الجمع بين الحديثين لمن يتمسك ‏بظاهريهما؟ فلا بد إذن من ‏اللجوء إلى التأويل على ما تعرف العرب وقرّره السلف كأبي حنيفة من القرب ‏المعنوي لتنزه الله عن مشابهة ‏المخلوقات.‏

ثم أيها الموحد إن استدلّ عليك مشبه مجسم  يعتقد في الله التحيز والمكان والجهة ‏بحديث الجارية المضطرب وفيه لفظ “أين الله، قالت في ‏السماء”، تردّه إلى الأصل ‏وهو القرآن الكريم وفيه قوله تعالى “ليس كمثله شىء” وهذه الآية تنفي المكان وسائر صفات المخلوقات عن ‏الله تعالى. ‏

وفي سورة العلق الآية 19: “كلا لا تطعه واسجد ‏واقترب”، قال الإمام أبو منصور الماتريدي وهو من أئمة السلف الصالح: “قوله ‏تعالى ‏‏”واسجد واقترب” أي صلّ واقترب إلى الله..، وعلى التأويل الظاهر الآية حجة ‏لنا على أهل التشبيه، فإنه لم يفهم من قوله “واقترب” ‏القرب من حيث المكان وقرب ‏الذات، ولكن قرب المنزلة والقدر. وكذلك ما ذكر في بعض الأخبار (الأحاديث) “من تقرّب إليّ ‏شبراً ‏تقربت إليه ذراعاً” ونحو ذلك، لا يُفهم منه قرب الذات ولكن قرب المنزلة والقدر ‏بالإجابة، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القرب ‏‏(فهو) قرب المنزلة والقدر.اهـ.‏