نضّر اللهُ امرأً سمعَ مقالتي فأدّاها كما سمعَها

Arabic Text By Aug 16, 2010

نضّر اللهُ امرأً سمعَ مقالتي فأدّاها كما سمعَها

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين وسلم، وبعد،

 

فقد روى الإمام الترمذي في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نضّر اللهُ امرأً سمعَ مقالتي فأدّاها كما سمعَها”، ما يعني أن في ذلك بشارة لهذا الشخص بأن يكون من الآمنين يوم الفزع الأكبر ويجمّـله الله في الدنيا ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلنا الله وإياكم منهم.

والحقيقة أنني لما رأيت كثرة الأحاديث المكذوبة التي يتناقلها الناس عبر الإنترنت، ولما كان الناس متعطشين لفائدة دينية، وجدت أنه من المناسب أن أقوم بمثل هذه الخدمة التي أرجو بسببها من الله الأجر ومنكم الدعاء حفظكم الله.

وعلى أيّ حال، إن رأيتم أن تصوّروها وتوزعوها على من شئتم لتدخلوا تحت حديث الترمذي المذكور إن شاء الله، كان لكم أجر وثواب نشر السنة وإماتة البدعة، وإن كان لديكم أيّ تعليق فالرجاء أن لا تبخلوا به عليّ، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، والله يحفظكم ويبارك بكم،

 

دليل من دلائل كثيرة جداً على استحسان التبرك برسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

دليل جواز التبرك بفضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسم ما رواه البخاري في كتاب الصلاة من صحيحه:

عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ فِى قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلاَلاً أَخَذَ وَضُوءَ النَّبِىيّ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسُ يَبْتَدِرُونَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحبه.

قال الحافظ ابن حجر عند شرحه هذا الحديث:

إن الوضوء الذى ابتدره الناس كان فضل الماء الذى توضأ به النبيّ صلى الله عليه وسلم،

وفيه كذلك قال الحافظ:

وفي الحديث من الفوائد التماس البركة مما لامسه الصالحون.

ودليل التبرك برسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب المناقب في صحيح البخاري كذلك:

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ أَبُو عَلِي حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ بِالْمَصِّيصَةِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْن وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، قَالَ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي فَإِذَا هِىَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ.

قال الحافظ عند هذا الحديث:

وأخرج أبو يعلى والطبراني من حديث أبي هريرة فى قصة الذي استعان به صلى الله عليه وسلم على تجهيز ابنته “فلم يكن عنده شيء، فاستدعى بقارورة فسلت له فيها من عرقه وقال له: مرها فلتطيب به، فكانت إذا تطيبت به شمّ أهل المدينة رائحة ذلك الطيب فسموا بيت المطيّبين”، وروى أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح عن أنس “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر فى طريق من طرق المدينة وجد منه رائحة المسك، فيقال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

 

تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات:

فائدة من كلام إمام أهل السنة والجماعة أبي الحسن علي بن اسماعيل الأشــعـري (ت 324 هـ.) رضي الله عنه قال في كتاب اللمع ما نصه: “فإن قال قائل لم زعمتم أن الباري سبحانه لا يشبه المخلوقات، قيل لأنه لو أشبهها لكان حكمه في الحدَث حكمها، ولو أشبهها لم يخلُ من أن يشبهها من كل الجهات أو من بعضها، فإن أشبهها من جميع الجهات كان محدثاً مثلها من جميع الجهات، وإن أشبهها من بعضها كان محدثاً من حيث أشبهها، ويستحيل أن يكون المحدَث لم يزل قديماً وقد قال الله تعالى “ليس كمثله شيء” وقال تعالى “ولم يكن له كفواً أحد”.

 

 

جواز التأويل التفصيلي ودليله من الحديث الشريف:

دليل التأويل التفصيلي من الحديث النبوي الشريف ما رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد واللفظ للبخاري في كتاب النكاح من صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يغار وغــيـرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله”،  والغيرة بفتح الغين هي الحميّة والأنفة كما في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (606 هـ.).

والغيرة تطلق على ما يكون من المرأة على زوجها أو العكس، ومعلوم أن ذلك لا يليق بالله تعالى، وتأويل الرسول لذلك اللفظ على ما يليق بالله ظاهر في الحديث الشريف أعلاه بما يجيز التأويل التفصيلي الذي تطفح به كتب أهل العلم بما ينفي عن الله تعالى مشابهة الخلق بأيّ وجه من الوجوه من غير شك ولا ريب سبحانه ليس كمثله شيء،

تبرك الصحابة واستغاثتهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، وأن الأمر لا يختلف عن حال حياته عليه السلام:

1 ـ روى الإمام البخاري (256 هـ.) عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما في موضعين من صحيحه أحدهما في كتاب الطب والآخر في المغازي، وفي ثالث عنها في كتاب فضائل الصحابة وسيأتي، أن أبا بكر رضي الله عنه قبّـل النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد موته.

2 ـ وفي مسـند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (241 هـ.) عن عائشة أن أبا بكر رضي الله عنه دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلّم بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفيّاه.

3 ـ ففي الحادثتين دليل من فعل خير الناس بعد الأنبياء، أبي بكر الصديق رضي الله عنه، على جواز الاستغاثة والتبرك برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته كما كان الأمر في حال حياته، بدليل حديث البخاري في كتاب فضائل الصحابة عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: فجاء أبو بكرٍ فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقـبّـله فقال: بأبي أنت وأمي طبت حيّاً وميتـاً. اهـ.

والمخالف في ذلك محجوج بفعل أبي بكر بحضرة الصحابة من غير نكير منهم، فيكون من قبيل الإجماع السكوتي الذي أثبت الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ.) حجيته في شرح البخاري، ولا سيما أن فعل أبي بكر رضي الله عنه وشبهه استحسنه المسلمون سلفهم وخلفهم على مرّ العصور، إلى أن ظهر ابن تيمية الحفيد (728هـ.) فابتدع على تناقض إثباتاً وإنكاراً ما لم يسبقه إليه أحد إلا من اتبعه في الإنكار الذي لم يسبقه إليه أحد.                       

 

21 – روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”، وأنه في وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن قال له: “اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”، وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التحـريش بين البهائم فكيف بمن يحرش بين الناس ينقل إلى هذا قول ذاك وإلى ذاك قول هذا، وهذا من المحرّمات وإن كان صحيحاً لا كذب فيه، فكيف إن كان كذباً والعياذ بالله تعالى، فلا يجوز للإنسان ولا سيما من كانت تهمّه آخرته أن يتهاون في مثل هذه الأمور، وفي الحديث الذي رواه مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ»، قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّارِ»، وفي الحديث الذي رواه البخاري “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، فلينظر أحدنا ما ينطق به لسانه وإلا فإن الإنسان محاسب، ومن الجهل ما يفعله الناس في أول نيسان/أبريل من الكذب، ومن الجهل كذلك ما يقوله بعض الفاسدين من أن “الكلام ليس عليه جمرك” وهذا غاية في الجهالة، وأما من فهم منه أن للإنسان أن يقول ما يشاء من غير حساب فهذا ضلال مبين والعياذ بالله تعالى.

20 – روى الحافظ المتقن شرف الدين الدمياطي (705 هـ.) وكان له ألف ومائتين وخمسون شيخاً، وهو أحد كبار مشايخ الحافظ الاصولي المتفنن المجتهد إمام الأعصار والأمصار تقيّ الدين عليّ بن عبدالكافي السبكي الأنصاري (756 هـ.) رحمهما الله، في كتابه “المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح” عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد” رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، والحديث لا يحتاج إلى شـرح يطول.

وفي حديث آخر في السنن الكبرى للإمام البيهقي (458 هـ.) رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبدالله بن عمر وحمله على حمار كان يـركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال ابن دينار فقلنا له أصلحك الله، إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمر إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وإني سمعت رسول الله صلى الله علَيه وسلم يقول: “إن أبـرّ البـرّ صـلـة الـرجـل أهـل ودّ أبيه”، قال البيهقي: رواه مسلم في الصحيح.

 

19 – روى مسلم وأبو داود عن جبير بن مطعم رضي الله عنه: “لا يدخل الجنة قاطع رحم”، يعني صلى الله عليه وسلم أن قطع الرحم أي عدم القيام بما أوجب الله من صلة الأقارب بالبرّ والزيارة وما أشبه ذلك يعدّ ذنباً يستحق صاحبه العقوبة، حتى وإن قطعه أقاربه لم يكن له أن يقطعهم، ولا سيما من هم من القرابة القريبة، وفي الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها”، وأذكركم ونفسي بكثرة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما بمناسبة ذكرى مولده الشريف عليه الصلاة والسلام،

 

18 – روى الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله في جامعه عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار”. قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”، قال الفيومي في المصباح المنير وغيره إن البذاء الفحش والقبح في الكلام وإن كان الكلام صدقاً، اهـ.؛ فليتخيّر أحدنا من صدق الكلام ما كان حسناً حلواً يسرّ قلوب السامعين، وفي كتاب الله تعالى: “ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون” (سورة إبراهيم، الآيتان 24 و25).

 

17 – عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله ” رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

وأصل ذلك في كتاب الله تعالى: “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان” (سورة الرحمن الآية 60).

 

16 – روى الإمام البخاري صاحب الجامع الصحيح رضي الله عنه (256 هـ.) بالإسناد الصحيح المتصل في كتاب الأدب من تصنيفه عن عبدالرحمن بن سعد القرشي قال: خدرت رجل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما فقال له رجل: أذكر أحبّ الناس إليك، فقال: “يا محمد” صلى الله عليه وسلم، وفي عمل اليوم والليلة للحافظ أبو بكر بن السني (364 هـ.) فقال “يا محمد فذهب خدره”.

ومعنى قول ابن عمر رضي الله عنه “يا محمد” أي “يا محمد أغثني” وفيه دليل على جواز الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكرب والمرض بما له من الكرامة عند الله عز وجلّ، ودليله الحديث الذي رواه الحافظ الطبراني (360هـ.) في معاجمه الثلاثة وصححه، وهو الذي وصفه الذهبي في تذكرة الحفاظ بـ”الحافظ الإمام العلامة الحجة بقية الحفاظ مسند الدنيا”، وأقرّه على تصحيحها الحافظ نور الدين الهيثمي (807هـ.) في مجمع البحرين في زوائد المعجمين الصغير والأوسط (ج2 ص 318)، وكذا في مجمع الزوائد (ج2 ص 279) بتحرير الحافظين الكبيرين زين الدين العراقي وابن حجر (852هـ.)، وصححها الحافظ البيهقي في دلائل النبوة، بل زاد إمام الذين نازعوا في التوسل، أعني ابن تيمية (728هـ.)، تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (569هـ.)، والحديث هو “عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقيَ عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إيت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: اللهمّ إني أسألك وأتوجّه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم  نبيّ الرحمة، يا محمّد إني أتوجّه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك ورُح إليّ حتى أروحَ معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثمّ أتى باب عثمان فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟، فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له (معتذراً) ما ذكرتُ حاجتك حتى الساعة، وقال ما كان لك من حاجة فأتنا. ثم إن الرجل خرج من عنده فلقيَ عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظرُ في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله  صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو تصبر؟، فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق عليّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إئت الميضأة فتوضأ ثمّ صلّ ركعتين ثم أدعُ بهذه الكلمات، فقال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرّقنا وطالَ بنا الحديث حتى دخل عليه رجل كأنه لم يكن به ضرر قط”. قال الطبراني: “والحديث صحيح”.

ولم يقل أحد من العلماء إن أحاديث التوسل لا يعمل بها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما أنه صلى الله عليه وسلم حيٌ في قبره يصلي لحديث “الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون” رواه أبو نعيم في تاريخ إصبهان وأبو يعلى الموصلي والبزار والديلمي والبيهقي من حديث أنس مرفوعاً وصحّحه وأقرّه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، فهل بطلت بركة النبوة بانتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى “وحسن أولئك رفيقاً”؟، حاشا وكلا، وقد كشف سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وقبله قائلاً “بأبي أنت وأمي، طبت حياً ومـيّـتاً” رواه البخاري في صحيحه والبيهقي في السنن، نفعنا الله تعالى وأهلينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ورزقنا البشرى برؤية وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم وجزاه الله عنا خير ما جزى نبيئاً عن أمته صلى الله عليه وسلم.

 

15 – عن عبد الرحمن بن أبي بَكرة نفيع بن الحارث الثقفي (51 هـ.) رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “دعوات المكروب: اللهمّ رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت” رواه أحمد والنسائي في اليوم والليلة وابن حبان وأبو داود في السنن واللفظ له.

ومن أدعية الكرب ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع أهل بيته فيقول: “إذا أصاب أحدَكم غمّ أو كربٌ فليقل: الله الله ربّي لا أشركُ به شيئاً، الله الله ربّي لا أشركُ به شيئاً”.

 

14 – عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ ضيق مخرجاً ومن كلّ همّ فرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب”، رواه أبو داوُد وابن ماجه والبيهقي في السنن. والاستغفار كأن يقول أستغفر الله، أستغفر الله، كما ورد في حديث مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه، كما في سنن أبي داود، والرواية الأقوى من غير لفظ “العظيم” وإن كان كلاهما جائزاً، ويجوز الحيّ القيوم بالفتح وبالضم، الوجهان جائزان، والحيّ إذا أريد به الله تعالى فهو المتصف بالحياة الأزلية الأبدية ليس بدم ولا روح ولا عظم بل هو الغني، والقيوم الذي هو متصف بأنه لا يحتاج إلى محلّ أي مكان، ولا إلى مخصّص، فالله تعالى قائم بذاته لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، لا يشبهه شيء ولا يشبه تعالى شيئاً سبحانه.

ويجوز غير ذلك من الالفاظ مثلما روى أبو داوُد “ربّ اغفر لي وتب عليّ إنك انت التوّاب الرحيم”، أو “ربّ اغفر وارحم واهدني السبيل الأقوم” كما في مسند احمد عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، ويجوز ما رواه البيهقي عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي (204هـ.) رضي الله عنه في الأطواف الأربعة: “اللهم اغفر وارحم واعفُ عما تعلم وأنت الأعزّ الأكرم، اللهمّ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”.

 

13 – عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما ذئبان جائعان أرسـلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه”، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وفي رواية للطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه: “ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم أغفلها أهلها يفترسان ويأكلان بأسرع فساداً فيها من حبّ المال والشرف في دين المرء المسلم”، قال الحافظ نور الدين الهيثمي (807 هـ.) في مجمع الزوائد (ج10 ص250): “وإسناده جيد”.

 

12 – عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال يا أيها الناس إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: “لو ان ابن آدم أعطيَ وادياً ملآنَ من ذهب أحبَّ إليه ثانياً، ولو أعطيَ ثانياً أحبَّ إليه ثالثاً ولا يملأ عين ابن آدمَ إلا التراب ويتوبُ الله على من تاب”، اللفظ للبخاري ورواه مسلم وغيره بألفاظ متقاربة.

وبارك الله بكم، راجي الدعاء، أخوكم محمد طه الولي غفر الله له

 

11 – عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يُـظِـلهُمُ اللهُ في ظلهِ يومَ لا ظلّ إلا ظله: الإمامُ العادلُ، وشابٌ نشأ في عبادةِ ربّهِ، ورَجلٌ قلبُهُ مُعلقٌ بالمسجدِ إذا خرجَ منه حتى يعودَ إليهِ، ورَجلان تحابّا في اللهِ فاجتمعا عليهِ وافترقا عليهِ، ورجلٌ دَعتهُ امرأةٌ ذاتُ مَـنصِـبٍ وجَمالٍ فقالَ إني أخافُ اللهَ، ورجلٌ تصدّقَ بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالهُ ما تنفقُ يمينهُ، ورَجلٌ ذكرَ اللهَ خالياً ففاضت عيناهُ، رواه البخاري وغيره.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح هذا الحديث إن إضافة الظل إلى الله إضافة تشريف كما قيل للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه..، ثم قال إن ممّا يدل على أن المراد بظل الله تعالى ظل العرش حديث سلمان رضي الله عنه عند سعيد بن منصور بإسناد حسن “سبعة يظلهم الله في ظل عرشه” وذكر الحديث. اهـ. من فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر رحمه الله.

 

10 – عن أبي ذر الغفاري جندب بن جنادة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إتق الله حيثما كنتَ، وأتبـع الســيّـئة الحســنة تمحُها وخالق الناس بخلق حسن”. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

والتقوى هي لزوم الطاعة بفعل الواجبات واجتناب المحرّمات، فليس لأيّ إنسان أن يتذرّع بأنه يفعل الخير من نوافل الطاعات غير الواجبة ليترك الأشياء التي أوجبها الله، ذلك أن أعلى الطاعات مرتبة أوجبها، ولا يبلغ شيء من السنن المستحبات درجة الطاعات الواجبات، فليس للإنسان الذي يدفع الصدقات غير الواجبة أن يترك أداء الزكوات الواجبة وإن كان ما يدفعه تبرعاً وإحساناً أكثر من مقدار ما يجب عليه من الزكاة، فإن من شغله النفل عن الفرض مغرور، ومن شغله الفرض عن النفل معذور كما هو مشهور عند السادة العلماء أخذاً من الحديث القدسي “وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه” رواه البخاري.

وفي الحديث الأمر بالمبادرة بالحســنة لمن أســاء فيتوب فوراً، “إن الحســنات يذهبن الســيئات”، وإلا أكثر من الحســنات كأن يقول لا إله إلا الله التي هي أفضل الذكر، أو سبحان الله أو الحمد لله أو الله أكبر أو لا حول ولا قوة إلا بالله، وقولها سهل على اللسان ليس فيه مشـقة، علماً أن فعل الخير والإحسان ولو مما أوجب الله تعالى كأداء الصلاة في وقتها أو الحج من مال حلال لا يعفي العبد من وجوب التوبة من الذنوب كلها كبيرها وصغيرها، فإن من فاتته صلاة مفروضة وجب عليه قضاؤها “لا كفارة لها إلا ذلك” كما هو نص حديث البخاري، وأن يردّ المظالم إلى أهلها أو يـســتـســمحهم، ولا يكون حجّـه ولو من مال حلال ذريعة لأكل أموال الناس بالباطل ولا لترك قضاء ما فاته مما افترض الله عليه من قضاء الصلوات المكتوبات أو الصيام الواجب، ففي البخاري ومسلم “فدَيـن الله أحق أن يُـقضى”.

ولا يقنط عبد من رحمة ربه، بل يكون بين الخوف من عذاب الله راجياً رحمته تعالى.

وأما حسن الخلق فهو بذل المعروف وكف الأذى عن الغير وتحمّـله منهم، رزقنا الله جميعاً ذلك.

 

9 – عن أبي أمامة الباهلي صُـدَيّ بن عجلان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المِـراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسّـن خلقه”، رواه أبو داود في سننه وغيره واللفظ له.

والزعيم الكفيل، وربض الجنة أطرافها، والمراء الجدال في غير محله من إحقاق حق أو إبطال باطل. وفي الحديث دليل على استحسان قلة الكلام إلا من خير، وعدم جواز الكذب ولو في المزح، وعلوّ درجة من حسّن خلقه جعلنا الله من المحسنين.

 

8 – عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟، قال صلى الله عليه وسلم: “أمسـك عليكَ لسانكَ وليَســعْـكَ بَـيـتـُـك وابـكِ على خطــيـئـتـكَ”. رواه أبو عيسى الترمذي (279 هـ.)  في سننه وقال هذا حديث حسن.

فأما قوله صلى الله عليه وسلم: “أمسك عليك لسانك” فهي نصيحة منه صلى الله عليه وسلم بتقليل الإنسان كلامه إلا في ما فيه خير، إذ اللسان نعمة يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة، وفي الحديث “ليسَ البيان كثرة الكلام ولكن البيان إصابة الحق” رواه ابن حبان، وفي حديث البخاري: “إن العبدَ ليتكلم بالكلمة من سَـخط الله لا يُـلقي لها بالاً يَـهوي بِها في جهنم”.

ومن الجهل العميم قول بعض الناس: “تكلموا فالكلام ليس عليه جمرك”، يفهمون منه ليس على الإنسان في كلامه حساب ولا عقاب، وهذا عكس قول الله تعالى: “ما يَـلفظ من قول إلا لدَيه رقيب عتيد” (ق 18).

وليُـعلم أن الإيمان وإن كان محله القلب إلا أن الإنسان قد يخرج من الإسلام بكلمة يقولها بلسانه كما هو نص حديث البخاري المذكور وكما هو نص كتاب الله تعالى: “ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وءآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم” (التوبة 65)، ومثال ذلك أن من أسباب الحدث الأصغر ما هو في غير أعضاء الوضوء كالبول مثلاً، ومع ذلك فإنه لا تصح صلاة من اكتفى بغسل محل خروج البول إلا أن يتوضأ، ومثال ثان هو أن الطهارة الحسية لها نواقض، فكذلك الطهارة المعنوية لها نواقض.

وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه وقف عند الصفا في مكة وأمسك بلسانه وقال: يا لسان، قل خيراً تغنم، واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أكثر خطايا ابن آدم من لسانه” رواه الطبراني (360هـ.)

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “وليسعك بيتك” فمعناه: إرض بما قسم الله لك، وانظر إلى من هو أعلى منك في أمر الدين، وإلى من هو أدنى منك في أمر الدنيا، لئلا تزدريَ نعمة الله عليك.

فكم من أناس اعترضوا على الله ونسبوه تعالى إلى عدم الحكمة في الإنعام على بعض الناس، فخرجوا من الإسلام من حيث لا يحتسبون، ذلك أن الله تعالى هو الذي يبتلي عبدَه وليس العبدُ يمتحن ربّه “ليهلك مَـن هلك عن بينة ويَحيَى من حَيّ عن بينة” (الانفال 42). ولا يجوز أن يُـنسب إلى الله تعالى عدم الحكمة، فالله تعالى لم يخلق شيئاً عبَـثـاً بل هو الحكيم العليم سبحانه.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “وابكِ على خطيئتك” فمعناه اشتغل بإصلاح نفسك وتهذيبها، وفي ذلك صلاح عظيم لأن صلاح المجتمع بصلاح أفراده، فلو اشتغل كل إنسان بمراقبة نفسه بدلاً من تتبع عيوب غيره لكان في ذلك صلاحه وصلاح أهله وأمته، وأما أن يرى أحدنا القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في أنفه فهذا ليس دليل فلاح.

هذا وليقـل مَـن شاء ما شاء في مَـن شاء ولكن ليُـهَـيّـئ شهوداً ليوم الدين، فإن عجز عن ذلك في الدنيا فهو في الآخرة أعجز. وأما من اعتمد شهوداً ظن فيهم الثقة والصدق وهم غير ذلك فالله تعالى حسيب أولئك الشهود لشهادتهم الزور وفي الحديث “عدلت شهادة الزور الإشراك بالله” رواه أبو داود وغيره، أي أنه ذنب عظيم، وإلى الله تعالى المشتكى فهذا كثير، ولكن الأذى لا يقابل بالأذى بل بما قال الله تعالى: “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم” (فصلت 34)، وفي كتاب الله تعالى: “ولا تنسَـوا الفضل بينكم” (البقرة 237)، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، والحمد لله رب العالمين

 

7 – الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وبعد،

فإن من سنن الإسلام التعارف بين المسلمين، ولعل أكثركم لا يعرفني، وسوف أعرّفه بنفسي في آخر هذه الرسالة، ولكن ما أحبّ أن أقوله في هذه العجالة أن من واجبات الإسلام الدفاع عن الدين وإظهار زيف بعض الأمور التي ألصقت بالإسلام ولا علاقة للإسلام بها، وهذا يدخل في باب الجهاد في سبيل الله عز وجل نصرة لدين الله تبارك وتعالى وإحقاقاً للحق.

وإنما فعل ذلك شخصان، أحدهما عن عدم معرفة لم يدر أن ذلك مما لا يليق بالإسلام، والآخر لسوء نية في قصده ومراده. وفي الحالين فإنه لا بدّ من بيان زيف ذلك بذلاً للنصيحة الواجبة، وإلا كان السكوت وبالاً على من آتاه الله تعالى شيئاً من العلم، وقد قال الله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهَـون عن المنكر وتؤمنون بالله”، (آل عمران 110).

وليُـعلم أن كثيراً مما نزل من البلاء بالأمة إنما هو بسبب سوء فعالنا ومن ذلك ترك بيان الحق والسكوت عن التحذير من المنكر، ومن كلام أبي علي الدقاق الصوفي الشهير: “الساكت عن الحق شيطان أخرس”. رواه عنه القشيري (465 هـ.) في رسالته وهو أستاذه وحموه، أي أن أبا علي أستاذ القشيري وأبو زوجته رحمهما الله.

ومرادي من هذا بيان أهمية نشر سـنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، مع بيان ما كان عليه سلف هذه الأمة من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه عملاً بقول الله تعالى: “فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون” (157 الأعراف)، والتعزير هو التعظيم والتفخيم كما في لسان العرب لابن منظور (711 هـ.).

وهذا التعظيم كان سبيل أصحابه الكرام رضي الله عنه وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي كشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم وقال يخاطبه: “بأبي أنت وأمّـي، طبت حياً وميتاً” رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه، وفيه ردّ على من يجعل بركته صلى الله عليه وسلم قاصرة على حال حياته، بل هو طيّب مبارك صلى الله عليه وسلم في حياته الدنيوية وفي حياته البرزخية التي أحياه الله بعد موته.

ومَـن أعرف من أبي بكر رضي الله عنه بذلك؟

ومن التعظيم إخواني حفظكم الله، ما نخاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل صلاة: “السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته”، ذلك أن “الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون” كما هو نص الحديث الذي رواه البيهقي (458 هـ.) وغيره. وهذا ليس بمستغرَب وقد نص الله تعالى على حياة الشهداء في كتابه الكريم: “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يـُرزقون”، (168 آل عمران) ولا شك في أن الأنبياء أعلى مرتبة وأفضل منزلة عند الله عز وجل.

 

5 – الحديث الخامس

عن أبان بن عثمان قال سمعت عثمان يعني أباه عثمان بن عفان رضي الله عنه، يقول، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من قال بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي”، رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجه، فيؤخذ من الحديث استحباب أن يقول الإنسان: بسم الله الذي لا يضرّ معَ اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، 3 مرات كل صباح وكل مساء، وبارك الله بكم،

 

4 – روى البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من رَآني في المنام فقد رَآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثـل بي”، وفي رواية للبخاري: “فسيَراني في اليقظة”، وهو حديث متواتر (أي أعلى الأحاديث الصحيحة درجة) كما ذكر السيوطي (911 هـ.) وغيره.

وفي ذلك بشرى عظيمة بالموت على الإسلام لمن رآه صلى الله عليه وسلم في منامه، نسأل الله تعالى رؤيته على صورته الحقيقية أبيض مُـشرَباً بحُـمرة كأنّ الشمس تجري في وجهه صلى الله عليه وسلم.

وكذلك من رآه صلى الله عليه وسلم، والرائي على غير دين الإسلام، فإنه لا بدّ له مِـن أن يِدخل في الإسلام بالنطق بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمّداً رسول الله، مع الاعتقاد الجازم الذي لا يدخله أدنى شك، فيموتَ على الإيمان.

ومن أسباب رؤيته عليه السلام صدق محبته التي دليلها صدق اتباعه صلى الله عليه وسلم بأداء الفرائض واجتناب المحرّمات والتزام الأدب مع الشرع الشريف وكثرة الصلاة والتسليم عليه ولا سيما بما ورد في الحديث النبوي الشريف، وأفضل صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما يُـعرف بالصلاة الإبراهيمية التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابَـه رضي الله عنهم.

على أن من رآه صلى الله عليه وسلم على غير صورته الحقيقية المذكورة في كتب الحديث، فإن ذلك يرجع إلى نقص في حال الرائي، لا في حال المَـرئيّ الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً، والحمد لله رب العالمين،

 

3 – عن أبي رقـيَّـة تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة”، قلنا لمن؟، قال صلى الله عليه وسلم: “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم” رواه مسلم في صحيحه.

قال الحافظ ابن رجب (795 هـ.) في العلوم والحكم: يقال نصحت العسل إذا خلصته من الشمع. اهـ.

ومعنى النصيحة لله سبحانه وتعالى صحة الاعتقاد في أن الله تعالى واحد لا شريك له ولا شبيه له ولا وزير له، وأنه تعالى لا يحتاج إلى شيء بل هو الخالق وما سواه مخلوق، فالله تعالى كان قبل الزمان وقبل المكان وهو خالقهما وخالق ما سواهما لقوله عز وجل: “قل الله خالقُ كلّ شيء”، وهو لا يحتاج إليهما ولا إلى ما سواهما، بل مهما تصوّرت ببالك فهو هالك، والله بخلاف ذلك.

(من أراد الزيادة يمكنه الرجوع إلى العقيدة المرشدة للإمام ابن عساكر الدمشقي (620 هـ.) والتي كان يعتني السلطان العادل صلاح الدين الايوبي (589 هـ.) بتعليمها لأولاده

فالله عز وجل منزّه عن مشابهة المخلوقات إذ لو أشبهَهَا لجاز عليه ما يجوز عليها من التغيّـر والفناء وهذا لا يجوز لأن الخالق دائم لا يَـفنى ولا يَـبيد ولا يكون إلا ما يريد.

والنصيحة لكتابه أي القرآن الكريم الإيمان به والعمل بما فيه، وأنه كلام الله تعالى ليس من تأليف جبريل ولا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وتلاوته حق التلاوة من غير تحريف ولا تصحيف، بالأدب والخشوع، وتجنب تفسير القرآن من غير علم، ذلك أن تفسير القرآن من غير علم من كبائر الذنوب.

والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته صلى الله عليه وسلم واعتقاد صدقه في كل ما أخبر به، ومن ذلك أن كل الأنبياء مسلمون من أولهم آدم عليه الصلاة والسلام إلى آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز تصديق القاديانية في دعواهم أن ملا أحمد القادياني الذي ظهر في الباكستان في القرن المنصرم نبي في ظل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا عكس القرآن والحديث، نعوذ بالله من ذلك.

وأما النصيحة لأئمة المسلمين فإعانتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: أدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسَـنة، (سورة النحل آية 125).

وأما النصيحة لعامة المسلمين فبإرشادهم إلى مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم على ما يوافق الشرع الشريف، وسدّ خللهم وجبر كسـرهم وقضاء حاجة المحتاج منهم وسَـتر عوراتهم ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحبّ لهم ما يحب لنفسه ولو في أمر من أمور الدنيا فهذا من كمال الإيمان.

نسأل الله أن يكرمنا بهذه الأخلاق السَّــنية، آمين.

ملاحظة مهمة: إن ما يتداوله كثير من الناس من قول “الدين المعاملة”، فإنه وإن كان من المطلوب شرعاً حسن الخلق مع المؤمن والكافر ترغيباً له في الإسلام، إلا ان هذه الكلمة ليست حديثاً نبوياً بل هي من كلام الناس الذين كثيراً ما يضعونها في غير محلها، فالرجاء التنبّه والتنبيه من ذلك لكم الاجر والثواب بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين،

 

2 –  روى الإمام محمد بن عيسى الترمذي (279 هـ.) في سننه التي هي أحد الكتب الستة المشهورة عند المحدثين عن أبي بَـرزة نضلة بن عبيد الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُـسأل عن أربع: عن عمره في ما أفناه، وعن جسمه في ما أبلاه، وعن ماله مِـن أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمِـلَ فيه.  قال الترمذي حديث حسن صحيح.

فيجب على الإنسان أن يراعيَ شكر الله تعالى بأن لا يَـستعمل نِعَمَ اللهِ التي أنعم بها عليه في معصيته عز وجل. وليس معنى الشكر مجرّد قول الحمد لله باللسان مع سوء العمل من ترك الفرائض وإتيان المحرّمات، وذلك أن الإنسان مسؤول عن أعماله وعن ماله كيف يكسبه وكيف ينفقه وعن العلم الذي أوجب الله تعالى تعلمه على عباده من تصحيح العبادات والمعاملات، والحمد لله رب العالمين،

 

1 – عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمالُ بالنياتِ وإنما لكلّ امرئٍ ما نوى، فمَن كانت هجرَته إلى اللهِ ورسولِهِ فهجرَته إلى اللهِ ورسولِهِ، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكِحها فهجرَته إلى ما هاجرَ إليه. رواه إماما المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري 256 هـ. وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري 261 هـ. في كتابيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة كما قال الإمام النووي 676 هـ.

ومعنى الحديث أن الأعمال المشروعة كالصلاة والصيام لا بدّ لصحّـتها من نيّة مجزئة، فلا بدّ من تعيين الصلاة كصلاة الوتر، وكونها فرضاً إن كانت كذلك كصلاة الظهر والعصر، وللصيام لا بدّ من نية كذلك. وليس معنى الحديث في الذي يفعل ما هو حرام أو مخالف للدين كالغيبة والنميمة أو الإفتاء بغير علم، وهو ليس أهلاً لذلك، ثم يحتجّ بهذا الحديث، بل هذا تحريف للحديث عن موضعه، والحمد لله رب العالمين،

 

 

دعاكم أرجو برؤية النبي صلى الله عليه وسلم لي ولأهلي ولمن علمنا الخير